السيد حسن القبانچي

60

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع )

فمن الوهن أن نفاخر بالجد * ونغضي عن أن نكون الجدودا ومن العجز أن نفاخر باليقظة * فيهم وأن نكون رقودا ثم نرى هؤلاء النفر الأنانيين على لا شيء ، يقولون : وأي فضل لهم إذا ساعدونا بالمال ، طالما نحن على استعداد لأن نعيد إليهم أموالهم ، وأي سبب في ذلك يخولهم الإمارة علينا ؟ ؟ وجواب ذلك بديهي إذ يتحقق هنا قول الإمام في آخر كلماته التي هي بين أيدينا ، وقوله هو : « احتج إلى من شئت تكن أسيره » ، فإن مجرد قبولنا فضلهم الذي يسمونه ( مساعدة الشعوب الضعيفة ) ، وقبول هذه التسمية لنا منهم ، وهم ينسبون إلينا الضعف ، أقول : إن مجرد هذا هو الذل والعبودية والاستخدام . فليس الذل في المدين قاصرا على الخضوع للدائن والاستكانة له ، وإنما الذل يتعدى ذلك إلى قبول المدين الذي يمد يده إلى الدائن به ، ويقبل على نفسه الحاجة إليه والاعتصام بإحسانه ، ثم لا يمتثل لقول الإمام بذلك : « أحسن إلى من شئت تكن أميره » إنه يأمرنا بالإحسان لنكون أمراء ، وينهانا عن الحاجة فنكون أسرى ، وهل في هذا ريب إذا أخذنا في الواقع من الحياة ؟ ؟ إن واقعنا ما يصوره الإمام عليه السّلام في كلامه السابق واللاحق ، إذ هو كلام مقتبس من اللّه تعالى : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ « 1 » . وإذا تتبعنا قول اللّه وقول رسوله ووصيه ، رأينا أكثره قائما على تحريك العواطف وتأثير الهمم ودفع القوى إلى شحذ العزائم والتصميم على الأخذ بوسائل الحياة التي تبعثنا أشداء أعزاء ألباء ، لا نمد أيدينا إلا لنعطي ، ولا نشخص بأبصارنا إلا لنستلهم ، ثم لا نضع أنفسنا إلا في المكان اللائق بأمجادنا وكرامتنا ، على هذا يجب أن نحمل قول الإمام في هذه الكلمة العصماء ، في صدر هذا البحث فهو يحثنا بلفظ الأمر على التماس وسائل الحياة التي نحسن بها إلى غيرنا فتكون لنا السيادة على هذا الغير ، ثم يأمرنا في النهاية أمر تقريع وتأنيب ويأس أن نتخلى عن عزنا وكرامتنا إلى الذل والخضوع للغير ما دمنا غير مستغنين عنه ولا محسنين إليه . يقول الجاهلي : ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه * يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم ومن هاب أسباب المنايا ينلنه * وإن يرق أسباب السماء بسلم

--> ( 1 ) سورة الأنفال ، الآية 60 .